الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
465
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وأما « الناشر » فسمى به لأنه نشر الإسلام وأظهر شرائع الأحكام . وأما « المزمل » فأصله المتزمل ، فأدغمت التاء في الزاي وسمى به ، لما روى أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يفرق من جبريل ويتزمل بالثياب أول ما جاءه ، وقيل : أتاه وهو في قطيفة ، وقال السدى معناه ، يا أيها النائم ، قال : وكان متلفقا في ثياب نومه ، وعن ابن عباس : يعنى المتزمل بالقرآن ، وعن عكرمة بالنبوة . وقيل من الزمل ، بمعنى الحمل ، ومنه الزاملة ، أي : المتحمل بأعباء النبوة ، وعلى هذا يكون التزمل مجازا . وقال السهيلي : ليس « المزمل » باسم من أسمائه يعرف به ، وإنما هو مشتق من حالته التي كان التبس بها حالة الخطاب ، والعرب إذا قصدت الملاطفة ، بالمخاطب بترك المعاتبة نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها ، كقول النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - لعلى - رضى اللّه عنه - وقد نام ولصق جنبه بالتراب - قم أبا تراب إشعارا بأنه ملاطف له ، فقوله : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ « 1 » فيه تأنيس وملاطفة . وأما ما روى عن عائشة أنها قالت : كان متزملا مرطا طوله أربعة عشر ذراعا ، نصفه على وأنا نائمة ونصفه عليه ، فكذب صراح ، لأن نزول يا أيها المزمل بمكة في أول مبعثه ، ودخوله بعائشة كان بالمدينة . وأما « المدثر » فأصله : المتدثر ، فأدغمت التاء في الدال . روى أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « كنت بحراء فنوديت فنظرت عن يميني وشمالي . فلم أر شيئا فنظرت فوقى فإذا هو على عرش بين السماء والأرض » - يعنى الملك الذي ناداه - « فرعبت فرجعت إلى خديجة فقلت دثروني دثروني » ، فنزل جبريل وقال : يا أيها المدثر « 2 » . وعن عكرمة : يا أيها المدثر بالنبوة وأثقالها قد تدثرت هذا الأمر فقم به .
--> ( 1 ) سورة المزمل : 1 . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 4922 ) في التفسير ، باب : سورة المدثر ، ومسلم ( 161 ) في الإيمان ، باب : بدء الوحي إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، من حديث جابر - رضى اللّه عنه - .